إقتصاد

الأمن الغذائي في لبنان: الحلقة المفرغة بين الفقر والحرب وتآكل الدخل

الأمن الغذائي في لبنان: الحلقة المفرغة بين الفقر والحرب وتآكل الدخل

في تقدير الموقف الأحدث الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات – بيروت، يكشف هذا التقرير تحت عنوان " الأمن الغذائي في لبنان: الحلقة المفرغة بين الفقر والحرب وتآكل الدخل" أن نحو 1.24 مليون شخص في لبنان، يواجهون مستويات أزمة أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي. كما يبيّن أن أسعار الغذاء ارتفعت بنحو 19,845 بالمئة بين حزيران/يونيو 2019 وصيف 2023 نتيجة الانهيار المالي وتدهور سعر صرف الليرة، ثم واصلت ارتفاعها بنحو 70 بالمئى إضافية منذ تثبيت سعر الصرف في صيف 2023، ما يعكس استمرار الضغوط المعيشية رغم الاستقرار النقدي النسبي.


وجاء في تقدير الموقف ما يلي، علما أن النسخة الكاملة موجودة في الرابط في نهاية هذا المقال:


خلص تقدير الموقف الحالي إلى أن البلاد تغرق في "حلقة مفرغة" من الانهيار الاقتصادي الهيكلي المتفاقم منذ ست سنوات، وتداعيات الحرب، وتلاشي شبكات الأمان الاجتماعي التي كانت تُشكّل الملاذ الأخير لملايين اللبنانيين.


وحذّر تقييم الحالة، بالإستناد إلى معطيات ميدانية تغطي الفترة الممتدة من صيف 2023 حتى نيسان/أبريل 2026، من أن أكثر من ربع سكان لبنان - أي نحو 1.24 مليون شخص - باتوا اليوم عالقين في أزمة غذائية حادة، في مشهد يعيد تعريف الفقر في البلاد ويحوّله من مجرد أزمة معيشية إلى تهديد وجودي للكيان الاجتماعي والاقتصادي برمته.


من "انهيار العملة" إلى "تضخم الدولار"


وأكد التقرير أن النقاش حول الأمن الغذائي في لبنان ما عاد مقتصرًا على وفرة السلع الأساسية على رفوف المتاجر أو حتى على سعر صرف العملة الوطنية، بل تحول إلى تشريح معمّق لواقع معيشي يتداعى تحت وطأة أزمات مركبة لا تنتهي. وأشار إلى تحوّل نوعي ومفصلي في طبيعة الأزمة، حيث انتقلت المعاناة من "انهيار العملة" الذي كان العنوان الأبرز في السنوات الست الماضية، إلى ما يمكن وصفه بـ "التضخم بالدولار" على الرغم من الاستقرار النسبي الذي شهدته الليرة اللبنانية في الآونة الأخيرة.


وأوضح التقرير أن الكلفة الفعلية للسلع الأساسية قفزت بنحو 70 بالمئة بين صيف 2023 ونهاية نيسان/أبريل الماضي، وهي قفزة جاءت نتيجة تراكم عوامل بنيوية متجذرة في هيكل الاقتصاد اللبناني، وفي مقدمتها "تصحيح" أسعار الخدمات المحلية – من كهرباء


وإيجارات ونقل – الذي أعاد هيكلة الكلفة المعيشية بالعملة الصعبة (الدولار)، إلى جانب الاعتماد الكلي وغير المشروط على استيراد القمح والحبوب وسائر المواد الغذائية الأساسية، ما يجعل السوق اللبنانية رهينة تقلبات الأسعار العالمية والاضطرابات الجيوسياسية في المنطقة والعالم.


ولفت التقرير إلى أن التجار، في ظل هذا المناخ المشحون بعدم اليقين، يمارسون "دولرة" بامتياز، محمّلين الأسعار كلف تحوّط ضد المخاطر السياسية والأمنية، ما حوّل الغذاء من سلعة تخضع لقوانين العرض والطلب إلى سلعة مرتهنة بموازين القوى وتقلبات السياسة، في ظل غياب تام للرقابة الفاعلة وآليات ضبط الأسعار.


الفقر يتحول إلى "جوع حقيقي"


شدّد تقرير المركز العربي على أن العلاقة بين توفر السلعة والقدرة على اقتنائها قد انقطعت تمامًا في السياق اللبناني الراهن، فالمشكلة لم تعد في مدى توفر السلع في المخازن والمحلات، بل انتقلت مباشرة وإلى قدرة الناس على شرائها. وأكد أن الفقر ما عاد مجرد انخفاض في الدخل أو تراجع في مستوى المعيشة، بل تحول إلى أزمة غذائية فعلية، تضطر الأسر يوميًا إلى المفاضلة بين إطعام أطفالها وبين دفع إيجار المنزل أو شراء الدواء أو تأمين تكاليف التعليم.


وذكر التقرير أن هذه المفاضلات اليومية باتت واقعًا مرًّا تعيشه معظم الأسر اللبنانية، حيث يضطر رب الأسرة إلى اتخاذ قرارات صعبة جدًا تتعلق بتوزيع الدخل الضئيل على احتياجات متضاربة وكلها أولويات أساسية، ما يدفع بالغذاء إلى أسفل سلم الأولويات في كثير من الأحيان، أو إلى استبداله ببدائل رديئة النوعية أو متدنية القيمة الغذائية.


وأشار التقرير إلى أن الحرب الإقليمية الأخيرة فاقمت هذه الأوضاع بشكل كبير، عبر إطلاق صدمات إضافية في أسعار النفط والطاقة التي انعكست بدورها على كلفة الإنتاج والنقل والتخزين، ما رفع كلفة سلة الحدّ الأدنى للبقاء الغذائي إلى مستويات تفوق طاقة الفئات الأكثر هشاشة. وفي هذا السياق، كشف التقرير عن تقديرات صادمة تشير إلى أن نحو 1.24 مليون شخص، أي ما يعادل ربع سكان البلاد، يواجهون اليوم إما "أزمة غذائية" حادة وإما "طوارئ غذائية" تهدد حياتهم بشكل مباشر، وذلك في ظل غياب شبه تام لشبكات الحماية الاجتماعية التي كانت، في مراحل سابقة، تمثّل الملاذ الأخير للفقراء والمهمشين.


تبعات طويلة الأمد قد تمتد لأجيال


حذّر التقرير من أن أخطر ما في الأزمة الراهنة أن آثارها لا تقتصر على الحاضر العاجل، بل تمتد إلى المستقبل البعيد. وأوضح أن الاعتماد المتزايد على أنماط غذائية فقيرة بالقيمة الغذائية، نتيجة العجز المالي المزمن، يؤسس لمشكلة صحية عامّة مزمنة سيعانيها المجتمع اللبناني لأجيال قادمة. فانتشار سوء التغذية وفقر الدم وضعف المناعة بين الأطفال والمسنين ليس مجرد أعراض عابرة، بل هو مقدمة لضعف عامّ في البنية البشرية للبلاد، وتراجع في القدرات الإنتاجية للموارد البشرية، وارتفاع في كلفة الرعاية الصحية في الأمد البعيد.


وعلاوة على الصحة المباشرة، أشار التقرير إلى أن الغذاء يلقي بظلاله القاتمة على المسار التعليمي للأجيال الصاعدة؛ فالأسر، تحت ضغط الحاجة الماسة لتأمين القوت اليومي، تجد نفسها مضطرة إلى سحب أبنائها من المدارس في سن مبكرة لزجهم في سوق العمل المبكر، في محاولة يائسة للمساهمة في دخل الأسرة. وهذه الحلقة المفرغة، بحسب التقرير، لا تحرم الجيل القادم من فرص التعليم والتأهيل فحسب، بل تسرّع من وتيرة الهجرة التي باتت تنخر في النسيج الاجتماعي اللبناني.


ما وراء الإغاثة


اختتم التقرير بتأكيد أن واقع الأمن الغذائي في لبنان اليوم يثبت بشكل قاطع أنه ما عاد من الممكن الاكتفاء ببرامج إغاثية موسمية أو بآليات رقابة شكلية على الأسعار؛ فالأزمة هي أزمة بنيوية وجذرية تتطلب مقاربة مختلفة تمامًا تتجاوز "إدارة الأزمة" إلى "بناء حلول"مستدامة، حيث إن لبنان اليوم أمام تحدٍ وجودي حقيقي؛ فإما التكاتف لإعادة بناء منظومة وطنية للأمن الغذائي تحمي المجتمع من السقوط في حافة الطوارئ، أو الاستمرار في الانزلاق نحو المجهول الذي يهدد استقرار الكيان بأسره، وشدد على أن الخروج من هذه الحلقة المفرغة يتطلب عقدًا اجتماعيًا جديدًا يضع حياة اللبنانيين ولقمة عيشهم كأولوية قصوى، فوق أي صراعات أو حسابات سياسية ضيقة.


يمكن قراءة التقرير كاملا على الرابط هنا


 


 

"زوايا ميديا"

قسم التحرير

تابع كاتب المقال: